" إلى الذي علمني كيف أقدس الحب... ووجد نفسه رحالا في هذه الحروف كتبتها "
ما يكتب على الأوراق الصفراء غير قابل للنشر لذا كانت حروفي هذه المرة مخطوطة على أوراق بيضاء وبحبر أزق بخط يشوبه مزيد من الأرق بين مسارين متوازيين أقع أنا بعدهما دون حرف الميم لأتبع حرف النون فتكون حكايتي أكثر قسوة ربما مما يستطيع الرواة وصفه وآلم من واقع تغلب فيه الآلام على الآمال ويبقى دونه العشق السلعة المحرمة ضمن إباحات أخرى لا يستطيع البشر العيش دون اقترافها فيبيح احدهم لنفسه أشياء لست في خوضها الآن ويحرمها علي وعلى أمثالي من الشباب الحالمين الحاملين همومهم على أكتاف هدها التعب وغزاها الشوق أرواحا ضمن أغنيات حالمة .
أنا مختلفة قليلا أو كثيرا هذا أمر لا يهمني الآن فقد اعتدته وأصبح يقينا لا يغزوه الشك فكنت يوما بعد يوم أقلب نفسي فأجدني امرأة استثنائية ليست طيبة جدا ولا سيئة جدا ، لا يعجبني حال المتذمرين ولا أطرق سمعا للشاكرين , فأطلقت على نفسي أنني ربما كنت الحل الوسط رغم أنها تلك الحلول الوسط لا تغري شفاهي بالتلفظ بها ولا اعمل يدي في تنفيذها.
أظنني أطلت الكلام عن تمردي فأين ماجدولين ومنيرة من عنوان أحدثته الصدفة محض الصدفة على دفتري ليجعل من نفسي حكاية ثالثة ، نسخة تمشي على الأرض عن حكايتين لعاشقتين أصابتهما سهام الألم ولم تدريا ربما أنهما مجرد بطلتي رواية لم يقاسين كثيرا من نهاية كتبت على ورق يسهل شقه وحرقه بينما الآخرون بما فيهم أنا ينتظرون دورهم في روايات لم تحن نهايتها بعد ويقاسون بعدد الثواني التي يحيونها آلام الشوق .
لم يكن صباحا ضاحكا ولا ماطرا كان كثيبا وباردا جدا ذاك الصباح الذي اقتربت فيه من شاشة تلفاز بيتنا لأتنقل بين القنوات دون أن يلفت انتباهي شيء بحد ذاته فتركته على قناة ما وذهبت لأعد كوبا من الشاي وحين عدت لفتني الزي والألوان ثم جلست على المقعد المقابل ورحت أتأمل المشاهد واحدا تلو الآخر حتى انتهت الحلقة دون أن انتبه أني أضعت ساعة من وقتي الصباحي دون أن أنهي أيا من مشاغلي المنزلية اليومية . فعلقت المشاهد في رأسي وعدت أستذكرها واحدا تلو الآخر لقد كانت دراما حقيقية وكانت المفارقة الأولى أنها على شاشة عربية.
لم أكن من محبي الاستيقاظ باكرا لكن حلقات هذا المسلسل أجبرتني، فلم يكن مسلسلا تركيا يحمل شابا وسيما فتلاحقه فتيات مراهقات ولا فيلما هنديا تظن فيه إحداهن بطلها المنشود وفارسها المغوار الذي سيقلها على حصان أبيض.. كان كما أسماه كاتبه حقا ملحمة الحب والبقاء وبالرغم من أن الملاحم حين تذكر تقترن في أذهاننا بصور لأبطال لم نعرفهم وبأساطير إغريقية ويونانية تملؤها الخرافات إلا أنني أعتز بهذه الملحمة حقا فقد كانت واقعية جدا بكافة جوانبها وصورت حقبة كاملة من التاريخ العربي .
تدور أحداث المسلسل في الكويت في ثلاثينيات القرن الماضي حيث تنمو الطفلة البطلة منيرة بلا عائلتها التي أصيب أفرادها بوباء الجدري فقتلهم ، وتطرق باب جارتهم أم بدر لتدخلها بيتها فترفض خوفا على أبنائها ، وحين يعود والدها الذي قطع البحر ليحضر الدواء لعائلته يفاجأ بفقده زوجته وولديه ويعيد ابنته إلى البيت حتى ينقضي الوباء.
ويذهب والداها فيما بعد ليعمل في إحدى شركات النفط في الصحراء فيودعها عند جيرانهم حيث تنشأ مع حصة رفيقتها وعبد الله الذي يغدو حبيبها فيما بعد . يحضرني وأنا أشاهد تلك الحلقات خماسية عبد الرحمن منيف مدن الملح التي قرأتها منذ سنة ونصف حيث يصف فيها العديد من الأمور التي مر بها الخليج العربي ويخص بالذكر السعودية قبيل استخراج النفط . فتخطرني كلماته كأنها مشاهد تلك الحلقات .
ينمو الحب في غياب الوالد وحضور العاشق ويصبح أملهما الوحيد هو الزواج ويبقى العارض الأكبر الفقر فيذهب مجازفا بنفسه في عرض البحر ليبحث عن الدر "الدانة " ليتزوج من تلك الصغيرة التي أحبها طفلة وشب فيه عشقها كما شب هو . ويجد عبد الله الدر يغني مع أترابه في عرض البحر ويرقص طربا وتغني السماء شتاءها أمطارا فتبكي هيفاء حسين الممثلة البحرينية " منيرة " حبيبها محمود بوشهري " عبدالله" وتخشى عليه المطر فتقول :
الدر غال وفي الأعماق مكمنه ودونه الخوف والأهوال والمطر
تأخر عبد الله في عودته وعاد الوالد فقد هبت رياح الهدامة " الحرب العالمية " وأقفلت شركة النفط أبوابها وعاد أيضا بدر الأخ الأكبر لعبد الله ليرى شابة جميلة في بيتهم. وحين يعود القمر الغائب يدرك أنها امتلك درة ففقد الأخرى فقد أصبحت محبوبته مخطوبة لأخيه وهي تلك الفتاة الطرية الحيية الطرف لم نجد مفرا من إطاعة والدها والبر بالأم التي ربتها وأحسنت إليها فبكت بالليل وضحكت في وجههم بالنهار وفطر قلب العاشقين فأصبحت زوجة لبدر وعاد عبد الله ليرمي همه في البحر ويغادر دون أثر .
إذا أصبحت منيرة أما لعبد الله الصغير والكبير غائب لا مكان يعرف فيه.. ثم كشفت الصدفة عن مراسلات بينه وبين أحد أصدقائه استطاع أخوه استخلاص عنوانه منها فذهب ليحضره كي يريح قلب أمه الباكي وعينها الدامعة وكانت الحرب في أوجها فقتل بدر وعاد عبد الله ليتوج حبه مرة أخرى ويتزوج ممن أحبها.. فتمطر السماء فرحا ربما ويفرقهم الفيضان أياما معدودة فيلتقيان وأولادهما . فتبحث هي أول شيء حين تطرق باب بيتها عن كتبها ودفاترها التي خطت فيها عشقها السري لعبد الله.
في ملحمة الحب والبقاء اجتمع الحبيبان ولو بعد حين .. أما تحت ظلال الزيزفون فكانت ترجمة الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي حزينة فكانت الرواية أسطورة جميلة لعاشقين حركهما اللونس كار الكاتب الفرنسي الشهير بحجم عاصفة الحب التي جمعتهما .
كان رابطا عجيبا حقا أن أقرأ رواية ماجدولين " تحت ظلال الزيزفون " وانأ أتابع الهدامة . فقد كان تعلقي بهما في آن واحد أغنية للصبر في هذا الواقع المرير الذي نحياه فيقتلنا الروتين اليومي دون أن يترك لنا متنفسا واحدا رغم أننا من أنصار التغيير . وما إن طالعت غلاف ماجدولين حتى حضرني ذلك الاسم الذي لم اسمعه قبل منيرة لقد كان الأديب العربي مصطفى لطفي المنفلوطي ذاك الذي كانت تذكره منيرة حين تمسك أقلامها لتخط عبراتها ومذكراتها هو مترجم رواية ماجدولين ورغم الفارق الزمني بين الروايتين إلا أنهما تحملان جمالا واضحا وشيقا .
رسائل منيرة لعبد الله كانت كتاباتها التي ضمنتها لذلك الدفتر الأسود فلم تصله أبدا وإنما بقيت خواطر عاشقة لوعها الشوق وأعياها الجوى ، أما رسائل ماجدولين وستيفن بطلا رواية الكتاب الفرنسي اللونس كار فقد وصلت لأصحابها حاملة معها جماليا أدبية و ذوقا شعريا عاليا فقد كان استيفن كما عبد الله شاعرا واتصفت كلتا البطلتين منيرة وماجدولين بالذوق الأدبي الراقي والخيال التصويري المميز الذي يلمسه القارئ من خلال الرسائل .
و كان الفقر اللاعب الأساسي الذي حرم ماجدولين واستيفن من بعضهما حيث اتخذه والدها حجة ليمنعها من زواجها بعاشقها ، ويجمعهما العهد الكبير الذي قطعاه على نفسيهما ، إلى أن يفتك الزمن بهما .
حتى بدأت صديقتها بزرع الأفكار المجنونة في رأسها حول الزواج من فقير ، فدبرت لها زيجة من غني تركها بعد أن ملها وعشق القمار . فعادت فقيرة أكثر من ذي قبل وتحمل بين يديها طفلة .
دار الزمان وأصبح الفقير غنيا وعاد ليرحمها في محنتها ورغم حبه الكبير أبى أن يعود إليها فلم تحتمل جفاءه وقتلت نفسها ، ولم يحتمل موتها فقتل نفسه .
إذا هو داء العشق الذي ترجمه المرحوم مصطفى المنفلوطي عن الأسطورة العشقية الفرنسية لتحمله الأجيال إلى بطلة الرواية العربية التي ترعرعت وهي تحفظ كتبه ، وتقتبس من كتابه العبرات فتجسد حكايتيهما ملحمة في الحب والبقاء ، فها هو الحب يحتل قلوبهم ، والفقر يقتل أجسادهم ولم ينقص من حبهم قدرا ولم يأخذ من أرواحهم شيئا .
لا اغفل في حديثي عن الروايتين أن أذكر أنهما حملتا من الجمال ما يفوق الوصف، فتلك الدراما العربية بحلتها نجحت في أن تقلني على الماضي وتشدني إلى أماكن أبعد من أن نصلها. وتمثل حال شخوصها بقوة وجذب للمشاهد وقد أبدع الممثلون في أداء أدوارهم.. ولم يقل شان الديكور أو التصميم الجرافيكي او الألوان عن الأمور الأخرى ، حتى شارة البداية والنهاية حملت طابعا مميزا . أما عن رواية ماجدولين فقد احتوت على تصاوير شعرية وفنية أدبية خلابة فتجعل القارئ يسبح في بحر رسائل العاشقين ... ويتغنى طربا على أمنيات الراوي فيستمر في القراءة باحثا عن نهاية جميلة ريما يتوقعها لنسج خياله الطيب تجاه هذا الواقع المرير الموصوف بين صفحاتها .
وما أسعدني وأنا أنهي كلامي حين أدحض القول الهندي المأثور " إذا دخل الفقر من الباب خرج الحب من الشباك " ، فالمحبون لا يثنيهم الفقر ولا تردعهم المصائب عن صون عشقهم ، فهم يحيون في أحلامهم ويحاولون جاهدين تحقيقها .... بل إنهم حين يقهرون في شدة الحياة يهيمون في البحث عن أشياء تلمس أسماء من أحبو أو تصور ذكرياتهم ولا يعيدهم عن قراراتهم إلا القدر .
الدر غال وفي الأعماق مكمنه ودونه الخوف والأهوال والخطر



