10 أبريل, 2009

الصهيونية بين الادب والسينما (خبث وإتقان)






إن الكتابة في موضوع كهذا كالسير على الماء فأنت من جهة لاتريد أن تبتل قدماك و من جهة أخرى لاتستطيع محو شعور البلل الذي يخالجك ، بين موضوعية الحرف ومشاعر الكراهية التي ليست مجرد رداء تستطيع خلعه بسهولة قبل أن تلطخ حروفك بياض الصحاف تتأرجح بقوة ، وعد غسان كنفاني قراءه أن لا يحيد عن فلسفة الموضوعية في كتابه في الأدب الصهيوني، لكنه حقيقة مثل فكره السياسي النضالي أكثر مما مثل موقفه الفني من القضايا الأدبية والنقدية .

فلسفة الخبث الصهيوني يمحوها الإتقان ، هكذا تعرض الأمور في السينما ففيلم فالس مع بشير الذي استحوذ على الكثير من الإعجاب في العالم الغربي يتحدث عن مذبحة صبرا وشاتيلا عام1982 يبرئ ببساطة الجيش الإسرائيلي من دم 3500 فلسطيني ويلقي بمسؤوليتهم على جيش الكتائب اللبناني من خلال الجندي الذي شارك في هذه المجزرة ،حيث نسي هذا الأخير بعضا من الأحداث التي دارت حينذاك لكن طبيبه النفسي يحثه على التذكر وزيارة بعض أصدقائه الذين شاركوه المجزرة فيتذكرون الأحداث معا ، استعادة الذاكرة والتي جعلت من الفيلم مادة دسمة للإتقان والتزامن ما بين الماضي والحاضر ثم لعبة الألوان النفسية التي رسمها المخرج جعلت منه فيلما يستحق الذكر في عالم السينما ، هنا تكمن فلسفة الخبث فبالرغم من جمالية وإتقان الفيلم إلا انه أخفى الكثير من الحقائق وجعل مشاهديه يصدقون أن كل ما ذكر فيه حقيقة وربما يتعاطفون مع الجندي وينسوا ال3500 قتيل.

لعبة السينما الإسرائيلية لا تتوقف على هذا الفيلم فهي منذ نشأتها في مؤتمر بازل عام 1879 اعتمدت الإعلام التثقيفي لخلق إسرائيل وضرورة نشر الروح القومية والوعي القومي بين اليهود هدفا أساسيا لها فكانت أولى مراحلها من القصص التوراتي والدافع وراء ذلك تأكيد أن فلسطين أرض الميعاد ، وركزت الأفلام الحربية على الحماسة الوطنية اليهودية لاستعمار أراضي عربية وبناء وطنهم الجديد .

أما عام 1948 قامت مرحلة أخرى عملت على إقناع الناس بهذا الكيان القائم ونسيان ما يسمى بفلسطين وأظهرت اليهودي على أنه ساهم ببناء الحضارة. وتأتي في عام 1967 بدعوات لنسيان فلسطين وتقبل الكيان الصهيوني وسادت أيضا أفلام تصور بطولات وهمية للجيش الإسرائيلي عن حرب الأيام الستة فارتفع نجم إسرائيل وانتهت أسطورة هذا الجيش في حرب 73 وانتهى عهد السينما العسكرية الذهبي وتحولت إلى أفلام إباحية جنسية مغلفة بطابع علمي الغرض منه إحداث انحلال في المجتمع وتفكك اجتماعي أخلاقي خاصة عند المراهقين العرب.

ولا ريب أن هناك رابطا عجيبا بين الأدب والسينما الصهيونيين لكن الحكم على الأدب الصهيوني أصعب قليلا فإننا إذا أردنا تحييد الأدب السياسي الصهيوني فإنه كي نكون موضوعيين حقا نحتاج لأن نحيد الأدب الفلسطيني السياسي الناتج عن قضيتنا العادلة .

بيد أن الأدب الصهيوني نشأ قبل الصهيونية ثم ما لبثت أن ظهرت فجندته لخدمتها . لكن الأدب الصهيوني شن حربا مختلفة قليلا فعلى صعيد اللغة قاتل قتالا مريرا وشرسا ضد دعوى الاندماج في المجتمع الغربي فإنه كما يوجد أدباء يهود كتبوا بغير لغتهم العبرية أوفضلوا ذلك في المجتمعات التي يحيون فيها ، كان هناك آخرون متعصبون صهيونيا حاربوهم بشراسة وقد أطلق هؤلاء دعوات لإحياء العبرية بعد أن كفت عن كونها رابطة قومية طوال ألفي سنة وكانت فقط تستخدم في الشعر الديني والصلوات .

لقد شنت الصهيونية حربا ضروسا على أولئك الذين يتكلمون غيرها حتى يهود أوروبا الشرقية الذين كانوا يتكلمون لغة تدعى الياديش. لكنه الخبث الصهيوني هنا أيضا في الأدب فأولئك الذين تمسكوا بالعبرية لم يكونوا يكتبون إلا في فترات الانفراج وكان يشتد عودهم فيصورون الاضطهاد الذي كانوا يعانون منه قضايا كبيرة مهما كان صغيرا. برعوا ببساطة في تمثيل دور الضحية وحاربوا بلغتهم وعقائدهم حتى أقاموا قومية خاصة من لاشيء . أقنعوا العالم بقوة الحرف وفن الخبث أن لهم وطنا قوميا في فلسطين حتى أن كاتبا يهوديا حاز على جائزة عن أحد كتبه التي كتبها لا لشيء إنما لأن اللغة العبرية التي كتب قيها هذا الكتاب قوية ومتقنة ،و الكثير من أبطال الروايات اليهودية تغيروا وتقبلوا ما بين الشخصية الدينية وشخصية البطل اليهودي الخارق دونما وحدة في الانطباع .

ولقد كانت هذه الظروف شديدة على اليهودي كما نعلم ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تقضي على حنينه إلى لغته الأم ولم تحل دون اعتزازه بها يقول ابن ميمون في وصيته لأبنه معبراً عن تحسره لضياع لغته منه معتبراً ذلك إثماً يرتكب بحق شعبه : "يابني ! إنني اعرف الخطيئة التي ارتكبها بحق شعبي وإنني أصلي إلى الله أن يُعاد المقالُ إلى أصحابه الشرعيين .. وأن تترجم كتبي إلى لغة اللسان المقدس" هذه الكلمات استخدمتها الصهيونية بقوة في حملاتها على الكتاب بغير العبرية .

كما بدأت الحديث عن عام 1982 الذي يصوره فالس مع بشير أترككم مع مقطع لقصيدة صهيوني حاقد وقد كتب هذا الصهيوني بعد الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان عام 1982 قصيدة بعنوان : "الطفلة الفلسطينية ذات الرداء الأحمر" يقول فيها: " تمسكت الطفلة بقدمي حتى لا أقتلها فقلت لها: لأن أبوك مخرب عنيد ولأن أخاك فدائي مجرم يجب أن يموت أطلقت عليها الرصاصات فسال دمها فارتاحت نفسي "

0 التعليقات:

إرسال تعليق