21 مارس, 2009

المحكمة الاستهلاكية الدولية

تاريخ قديم تشق فيه هذه الأحكام غبار الدهشة عند البعض وتصيب الآخرين بالذهول الأبدي، ربما تنبه آخرين من يقظتهم لموعد مع النوم، أصحيح أن القوانين دائما تتفنن في خدمة القوي ؟ وانه الضعيف فقط هو من تقطع يده إذا سرق أم أنها الشرائع البشرية غابت عن الحقيقة فسوفت آمال المستضعفين وآلامهم تحت آلات الحرب القائمة بحجة العدالة الاجتماعية البشير بين مطرقة المعارضة وسندان المحكمة الدولية مشهد درامي تكرر في محاكمة صدام سابقا والدراما اسلنيا هي اكبر من المسرح وربما هي الواقع الذي نتخذ فيه كلنا الأدوار التي تليق بقوتنا على مسرح الحياة أو انه الاستهلاك صار أخلاق عالمنا كما يقول بورديار فأصبح الأقوياء حين لا يجدون طعاما يأكلون الضعفاء الحقيقة الواضحة أنهم الأقوياء يزدادون قوة وثراءا وأنهم الضعفاء يزدادون قلة حيلة إن الإحكام التي سبق وأصدرتها محكمة لاهاي الدولية والتي مازالت تصدرها تعد نمطا علائقيا فعالا ليس نمط علاقة بأهدافها وحسب بل بالجماعة والعالم_ تماما كالاستهلاك الذي عرفه بورديار بنمطه العلائقي الفعال نمط فعالية مبرمجة ورد إجمالي يتأسس عليه كل نظامنا الثقافي في كتابه منظومة_ الأغراض فالحقيقة الكامنة هي أن هذه المحكمة تتأثر بنظام القوى الدولي وبالكثير من الإغواء الذي يدفع بقراراتها الصارمة إلى نقاط إستراتيجية و وهامة في العالم أجمع. إنها حقا منظومة الإغواء التي اجتذبت الأشياء تباعا إليها فجعلتها تحيد عن قانونها الأساسي المنمق ومهامها المزخرفة في موقعها الالكتروني.

وفي ضوء مقولة أخرى بوردياريا فإن مجتمعنا الحالي يتوازن على قاعدتي الاستهلاك والتنديد به بينما كان المجتمع الوسيط يتوازن على قاعدتي الاستهلاك والشيطان فإن القوى القائمة على هذه المحكمة حتما ما تزال مزيدا من الأغراض لتقفل فمها الاستهلاكي المفتوح لكل شيء والمقارنة في النمط الاستهلاكي تظهر في كون الدول النامية تستهلك فقط حاجاتها الأساسية من الأغراض اللازمة لبقائها على قيد الحياة أما فائض الأغراض المبهرة والتي يعتبرها البعض كماليات فهي بالطبع تذهب للدول المحسنة .

ويبدو أن سلسلة العلاقات بين الأغراض الاستهلاكية التي تعتد الإغواء في طريقها نحو الشخص أو الأشخاص الأكثر رفاهية في هذا العالم وبما أن التكييف الكلي للأعمال والأزمان أصبح أمرا يسيرا بواسطة التكنولوجيا فإنه حري بهؤلاء الذين اكتشفوا مفاتيح السعادة إيجاد وقت ليتصدقوا على العالم الآخر ببعض الدمى التي ستخفف آلامهم جراء الحروب المتكالبة عليهم وحولهم. وكما تعيش الشعوب المتخلفة المساعدة كأنها حق طبيعي منذ أمد بعيد على غرار طب سحري لا علاقة له بالتاريخ بالتقنية بالتقدم المتواصل والسوق العالمية ، ويعيش الغربيون الفيض كأنه نتاج الطبيعة " هم لا يرثون الأملاك فحسب بل يرثون الحق الطبيعي في الرضاء والوفرة" تعيش محكمة الجنايات الدولية إرثها الطبيعي بإصدار الأحكام على من تراهم مذنبين خاصة مجرمي الحروب على حد تسميتهم كأنه حق يخصها وحدها دون أن ترجع إلى أصحاب العلاقة أنفسهم أو دون أن تأخذهم كلهم بعين الاعتبار ويكسو طريقة عيشها هذه الإغواء ونظرية الاستهلاك المتشابكة بنظامها سياسيا واجتماعيا ، وبينما هي تمارس هذا الحق الطبيعي تساندها العديد من المؤسسات الدولية كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التي ربما أصبحت سياساتها وخططها المجيرة واضحة في الآونة الأخيرة أو هي في الحقيقة نظم اقتصادية سياسية تبشيرية نافعة لأصحابها فقط. بحجة القانون الذي هو وضعي بشري يصوغه القوي ولا يطبق إلا على الضعيف غالبا ، إذ يوضع أصلا لمصلحة الكفة الراجحة في ميزان القوى أينما وجد وبحجة العدالة أيضا تصدر أحكامهم تباعا بحق أشخاص لا تخلوا سيرهم الذاتية من أخطاء ، إلا أن إغفال أخطاء الكثيرين غيرهم واضح وجلي . لا نستطيع هنا إغفال دور المجتمع الغربي كمجتمع منتج إلا أنه في الحقيقة يحوي نظاما استهلاكيا يندرج فيه ويتشابك معه فكان حريا بنا أن نسمي هذه المحكمة "محكمة استهلاكية دولية "


نشر في صحيفة آخر خبر اضغط هنا